اسماعيل بن محمد القونوي

176

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( لأنه كالتمثيل « 1 » لما ذكرنا ) أي كإيراد المثال لما ذكرنا من قوله ولعل ضربا من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات فإن اتحادهما بالذات يقتضي اتحاد مادتهما وههنا كذلك إذ الجوهر المضيء نوع تحته صنفان مكدر بالدخان ونور مصفاة مهذبة فحقيقتهما وهي الجوهر المضيء واحدة فاختلاف الملائكة والجن بالعوارض بعد اتحادهما بالذات واستوضح بالرومي والحبشي فإنهما متحدان في الحقيقة وهي الإنسانية مختلفان بالعوارض الكلية لكن هذا البيان يقتضي عدم مخالفة جميع الملائكة للشياطين كما يشعر به قوله ( فإن المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك غير أن ضوءها مكدر مغمور بالدخان محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق ) فإنه كالصريح فيما ذكرنا مع أن مدعاه كون ضرب من الملائكة كذلك وأيضا المتبادر من الجوهر المضيء الإضاءة بالذات لا ما قوله : لأنه كالتمثيل لما ذكرت تعليل لقوله لا يقال أي لأن ما روي عن عائشة كالتمثيل لما ذكرت وهو قوله كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف : 50 ] فعلا ومن الملائكة نوعا يريد أن كونه مخلوقا من النار لا ينافي كونه من الملائكة المخلوقة من النور لأن النار نور مخصوصة فإبليس مخلوق من نور كالملائكة فهو متحد معهم بالحقيقة فقوله فإن المراد بالنور الجوهر المضيء الخ بيان لاتحاد النار مع النور بالحقيقة . قوله : وأوفق للجمع بين النصوص وجه كونه أوفق للجمع بينها أن هذا التأويل برفع المخالفة بين هذه الآية الدالة على أن إبليس من الملائكة وبين ما في سورة الكهف من قوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف : 50 ] الدال صراحة على أنه ليس من الملائكة إذ قد أول ما في سورة الكهف بأنه كان من الجن فعلا لا حقيقة لأنه من الملائكة نوعا أقول التأويل بالرجوع إلى التغليب لرفع المخالفة أيضا فما معنى كون تأويله أوفق منه قال صاحب الكشاف في تفسير من الكافرين من جنس كفرة الجن وشياطينهم وقال الفاضل أكمل الدين كون إبليس من جنس الجن دون الملائكة إنما هو على مذهب المعتزلة فإنهم ذهبوا إلى أن إبليس لم يكن من الملائكة لقوله تعالى في سورة الكهف : كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ الكهف : 50 ] وجعل كان بمعنى صار خلاف الظاهر ولأن لإبليس ذرية لقوله تعالى : أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي [ الكهف : 50 ] والملائكة لا ذرية لهم ولأن الملائكة معصومون لقوله تعالى : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ [ التحريم : 6 ] وإبليس لم يكن كذلك وهذا مذهب المتكلمين ورد بأنه لو كان من كفرة الجن وشياطينهم كان من في وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ للتبعيض ويستلزم وجود قوم

--> ( 1 ) ولم يقل إنه تمثيل حتى يرد عليه أنه إخراج للنصوص عن ظاهرها كما ذهب إليه الباطنية وكثير من المعتزلة وهذا إنما يرد أنه لو كان مراد المصنف الحديث محمول على هذا المعنى بل مقصوده بيان مادتهما رمزا إلى ما ذكر فهو بيان لبطن الحديث مع حفظ ظاهره وهو طريق العلماء العارفين فإنه كما أن لكل آية ظهر وبطن كما ورد في الحديث كذلك لكل حديث ظهر وبطن فإنه ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 3 ، 4 ] قيل فمعنى قوله عليه السّلام خلقت الملائكة من نور أنها خلقت من جوهر مضيء غاية الإضاءة سواء كان بذاته أو حاصلا من النار بعد التصفية وهو تمثيل لكون الملائكة محض خير مبرأة عن ظلمة الشر إما بذاته أو بغيره انتهى وهذا حسن في حد ذاته لكن لا يوافق ما ذهب إليه المصنف .